دور النخلة في قصة الحضارة

yahyaj's picture
Year: 
2009

دور النخلة في قصة الحضارة

 

أ.د. يحيى جبر                                                      أ. عبير حمد

أستاذ علم اللغة بجامعتي النجاح الوطنية والخليل                                   باحثة في اللغة والأدب

 

 

لم تحظ شجرة في تاريخ الحضارة البشرية بمثل ما حظيت به النخلة، ولم يكرم من النبات مثلما كرمت، فهي في عالم النبات كالفرس والجمل في عالم الحيوان، ولم لا وقد اخذ الإنسان منها طعاما، وأوقد نارا، وصنع حبلا واتخذ أُرثة، وابتنى بيتا، وصنع حصيرا وحذاء، ولعل هذه بعض المنافع التي تقدمها النخلة لأخيها الإنسان، وله في سجل التاريخ العربي الإسلامي مكانة خاصة زيادة على ما تقدم؛ ذلك لأنها كالجمل، عرفت أول ما عرفت في بيئته، ومن هنا كانت قادرة على تحمل الجفاف الذي يعد أبرز مواصفات     الجزيرة العربية.

 

وفي هذه الدراسة يتناول الباحثان مقاطع من سجل النخلة في التراث العربي، ويتعقّبان أخبارها على صفحات الكتب، وفي قرائح الشعراء والكتّاب، مدركين أن الحديث عن النخلة يقتضي الإسهاب، ويتطلّب وقتا طويل، غير أن في ما نقدّمه بيانا موجزا لما حفلت به المصادر الأدبية واللغوية والتاريخية والدينية من ألأخبار عن هذه الشجرة المباركة.

 

 فهي تحتل "مكانة بارزة في تاريخ الدولة الإسلامية وحضارتها، وتشكل  بشموخها فخراً       واعتزازاً ورمزاً للحياة والعطاء المتجدد، فكما اتجه البحار والغواص إلى البحر للاستفادة من           الأسماك واللآلئ اتجه الفلاح إلى للأرض وتعلق بالنخلة واهتم بزراعتها.و نخلة التمر تُصطفى من بين نخيل لا يثمر، ومن بين نخيل يشبهها شكلاً ولكنه  يختلف عنها في الثمر مثل أشجار جوز الهند.وقد أثبتت الدراسات  أن نخلة التمر تتحمل تقلبات درجات الحرارة إلى حد كبير، وعندما تهبط درجة حرارة  الجو في بعض ليالي الشتاء إلى ما دون الصفر تستمر النخلة في النمو ولكن بصورة بطيئة وبشرط أن تكون درجات الحرارة             العظمى خلال النهار أعلى من 9 درجات مئوية"(1).  

 

وكانت الحياة الدينية في جزيرة العرب قد مرت بعدة مراحل،"وكانت المرحلة الأولى مرحلة التقديس  تقديس الأشجار والكهوف والماء وكل ما يفيد البدوي، فلا غرو أن تكون النخلة مقدسة لأنها موجودة في الأماكن التي يقل فيها النبات كما أنها تمثل المورد الأساسي  في حياة العربي"(2) ولم يكن ذلك مقصورا على النخلة دون غبرها من الشجر، ولكنها احتلت مكانة خاصة في هذا المجال، إذ كان التمر وما يزال أهم السلع التجارية في البوادي العربية.

 

وسنتناول في الصفحات التالية ما كان من شان النخلة في القرآن الكريم والحديث الشريف وفي مصادر التراث العربي على مر العصور؛ مدركين أن البحث في هذا الموضوع يطول ويتقاطع مع كثير من الدراسات الإنسانية؛ نظرا لامتداده في الزمان والمكان على نحو فريد.

 

 

أولا :النخلة في القرآن الكريم

 

جاء القرآن الكريم دستورا الأمة وكتاب هداية، ترجم واقع الحياة العربية، ورصد ثوابتها ، فكان خير مصوّر لنسيجها، وجعل للنخل مكانة مرموقة، فقد كثر ذكر النخيل في القرآن الكريم على نحو ملفت للنظر، بصيغة المفرد والمثنى والجمع، ونلاحظ أن ذكر النخيل كثيرا ما يكون مقترنا بالجنات والنعيم،  يقول تعالى في سورة البقرة " أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب، تجري من تحتها الأنهار، له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر، وله ذرية ضعفاء، فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت، كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون "(3) وما نرى ذلك إلا جريا على ما كانوا عليه في الجاهلية، إذ تنصرف الجنة في الأدب الجاهلي إلى معنى البستان فيه نخل، على نحو ما نجده في قول زهير بن أبي سلمى يصف دموعه:

كأن عينيّ في غربي مقتّلة                                من النواضح يسقي جنة سحقا(4)

يصفها بالغزارة، ويصف النخيل في ( جنته) بأنه طويل.

 

     وربما قرن النخيل في القرآن الكريم بالأعناب من أشجار الجزيرة العربية، يقول عز وجل في سورة المؤمنون :"فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون "(5) وفي سياق آخر يذكر القرآن الكريم النخيل مقترنا بالرمان و الزيتون المبارك  كما في سورة الأنعام، إذ يقول عز وجل " هو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا به خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه انظروا على ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون "(6).

 

          ونجد في سياق آخر ذكرا للنخل مع الزيتون دون  الجنة، وذلك في معرض تبيان نعم الله على خلقه ، لأن الأعم الأغلب ألا يجتمعا في بستان واحد نظرا لاختلاف الوسطين الحراريين اللذين ينبتان فيهما.قال عز وجل في سورة عبس " وزيتونا ونخلا "(7) .

 

وتكريما للنخلة فقد أفردها الله تعالى بالذكر تفصيلا من بين أصناف الفواكه المختلفة، وذلك في سورة  الرحمن حيث قوله تعالى ." فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام "(8) حيث ذكرت أكمامها وطلعها وأنها متفاوتة في ما تطرحه من أنواع الثمر على نحو لا يخفى على أحد في مشارق الأرض ومغاربها، إضافة إلى ما يقف عليه المطالع في كتاب الله عز وجل من جليل العبر وبديع الصور،فانظر إلى هذه الصورة الرائعة التي وردت في سورة الكهف " واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا "(9)،عنب يحيط به النخيل، ويتخلله الزرع.

 

وفي معرض إقناع الناس بوحدانية الله _ تبارك وتعالى _ وتذكيرهم بنعمه يقول عز وجل : " ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يوقنون "(10)، فالنخلة آية من آيات الله، تدل على بديع صنعه وجليل قدرته.

 

أما في قصة مريم _عليها السلام _ فقد كانت النخلة الأم الرؤوم، والقابلة الحنون التي لم تجد مريم سواها لتلجأ إليها عندما أجاءها المخاض إلى جذعها لتضع المعجزة: كلمة الله عيسى _ عليه السلام _ ، حيث يقول تعالى :" فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا " (11) حيث قال " وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا " (12) وأنى لامرأة في ضعف مريم أن تهز جذع النخلة فتسقط الرطب لولا التأييد الإلهي؟.

 

وورد ذكر النخل في سياقات قرآنية أخرى، فهو أداة لتثبيت المصلوب استنادا إلى ما ورد من قوله تعالى في خبر فرعون حين أنذر السحرة لما آمنوا بموسى عليه السلام: " قال آمنتم به قبل أن آذن كم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى "(13) وفي هذا ما يشير إلى متانة النخل وصلابته.

 

ونجد النخل يدخل في تشبيهات القرآن الكريم في موضعين يقدّمان صورة واحدة ؛ الأول منهما قوله تعالى : "سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية "(14) والثاني قوله تعالى : " تنـزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر " (15) والآيتان في سياق ما يتعرض له الآثمون جراء العقوبات الإلهية حين يسقطون على الأرض كجذوع النخل النخرة . وفي الموضعين المتقدمين نلمس قوة التشبيه وأثره العميق الذي يهز النفس.

 

بإجمال، نستطيع أن نقول إن للنخلة في القرآن الكريم ذكرا عريضا، وقد جاء ذلك منسجما في ما يوحي به مع ما ألفه العرب في جزيرتهم، غير أن في القرآن الكريم جديدا يتمثل في بعض الصور، إضافة إلى السياقات التي ورد فيها ذكر النخل ، وجلها في معرض الحديث عن عظيم صنع الله عز وجل، وبالغ مقدرته.

 

 

ثانيا : النخلة في الحديث الشريف

 

          ورد ذكر النخل في الحديث الشريف مرارا، وفي مجالات متعددة، ولا غرابة في ذلك البتة , فالحديث الشريف امتداد للقرآن الكريم وبسط لبعض آياته، بل هو وحي من عند الله جاء من طريق مختلف . فقد حثّنا النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ على أن نهتم بالنخلة ونكرمها ونزرعها ، كما شرّع الإسلام الآداب الكثيرة لبيع ثمر النخيل ، وأكل ثمره ، وقد وجدنا عشرات الأحاديث التي تذكر النخيل وأجزاءه وثمره،       و قد توزع ذكر النخيل في أبواب متعددة من صحيح البخاري وغيره من كتب الحديث ؛ ذلك لكونه مادة أساسية في حياة العربي في العصور الغابرة ، فنجد التمر والنخل مذكورين في باب الصدقة ، وباب البيوع ، وغير ذلك.

ومن بليغ ما ورد من كلام فيها ما رواه الشيخان وأحمد والترمذي عن ابن عمر بلفظ ‏" إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وهي مثل المسلم ، حدثوني ما هي‏ ؟‏ فوقع الناس في شجر البادية ، ووقع في نفسي أنها النخلة ،قال عبد الله : فاستحييت ‏.‏ قالوا ‏:‏  يا رسول الله أخبرنا بها. ‏  ‏فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏" هي النخلة  "‏ . قال عبد الله حدثت أبي بما وقع في نفسي فقال : لأن تكون قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا (16). ولم يكن هذا هو  السياق الوحيد الذي شبه فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم المؤمن في بعض أحواله بالنخلة؛ فعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:"مثل الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة؛ ريحها طيب، وطعمها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة؛ لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ؛ ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة؛ ليس لها ريح  وطعمها مر" (17)

 

ونظرا لهذه القيمة البالغة للنخلة فقد تكررت الشواهد على أهميتها، ففي إشارة إلى ذلك يقول صلى اله عليه وآله وسلم: " إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل "(18) ففي هذه الحال ترى الناس سكارى وما هم بسكارى، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت، إلا النخلة، فلا يصح التفريط بها، وما نرى إلا لبيان أهميتها والتأكيد على ضرورة الحفاظ عليها.

 

ونظرا لهذه المكانة أيضا فقد كانت النخلة ومنتجاتها حاضرة في معاملات المسلمين؛ حيث ورد في الحديث الشريف؛ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : " من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع " (19) وعن مالك بن أوس أنه سمع ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : " البر بالبر رباً إلا هاء وهاء والشعير بالشعير رباً إلا هاء وهاء والتمر بالتمر رباً إلا هاء وهاء " (20) وعن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:" نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة؛ والمزابنة أن يبيع ثمر النخل بالتمر كيلا ،7 وبيع الزبيب بالعنب كيلا ، وعن كل ثمر بخرصه " (21).

 

وفي الحديث الشريف إشارات إلى ما كانت عليه أحوال البلدان، إذ اشتهرت بعض المناطق بالنخيل أكثر من غيرها، يدل على ذلك ما رواه أبو موسى من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، " رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب ". (22).

 

ولما كان التمر مادة غذائية أساسية؛ فإننا نجده أساسيا في الصدقة والزكاة، ومن ذلك : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ـ ولا يقبل الله إلا الطيب ـ وإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل " (23)وفي الحديث أيضا : عن ابن عمر رضي الله عنهما " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرض زكاة الفطر صاعا من شعير أو صاعا من تمر على الصغير والكبير والحر والمملوك " (24).

 

نخلص مما تقدم أن الحديث النبوي الشريف؛ كالقرآن الكريم، أولى النخلة عناية خاصة، وتوسع في ذكرها، وذلك انسجاما مع ما كان عليه أمرها في حياة الإنسان، ومما جبلت عليه طبيعتها من الفوائد والمنافع.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ثالثا : النخلة في الشعر العربي

 

 

        من مأثور القول أن الشعر ديوان العرب، ومستودع أخبارها وأنسابها، ومنهل نمير للتعرف إلى طبيعة حياتهم وتفاصيلها، و الشاعر الجاهلي لا يعبر عن ذاته بقدر ما يكون ناطقا بلسان قومه، فهو مرآتهم التي تصور ثقافتهم ومعاناتهم وأحلامهم ومعتقداتهم وحياتهم بحلوها ومرها .  

 

فقد كان للمجتمع العربي الجاهلي " تصوراته وتساؤلاته التي راودته فعبروا عنها من خلال أشعارهم التي حملت قدرا كبيرا من عقليتهم، وقد تفوقوا في التصوير بالتعبير الشعري، لأن الشعر رسم بالكلمات، فإذا قرن الشاعر صورة النخلة بالمرأة فهو لا يريد منها الصورة المادية من طول القامة، وإنما الإشارة قد تكون هنا مادية إلى إشارة أخرى ميثودينية، فالنخلة في المعتقد القديم ذات قيمة مقدسة، وهي قرينة الخصوبة و الأنوثة في آن، كما نجد لها حضورا في الكتب المقدسة لعلاقة بتلك السيدة العذراء التي خول لها بقدرة قادر أن تهز إليها جذع النخلة لتقتات " (25)

 

ولأن الشعر مرآة الحياة؛ فمن الطبيعي أن يحظى النخيل فيه بأهمية خاصة، ونكاد لا نجد من     الشعراء الجاهليين واحدا لم يرد ذكر النخيل في أشعاره، يقول عبيد بن الأبرص مخاطبا امرأ القيس في      قصيدة مطلعها (26):

 

     حلت كبيشة بطن ذات رؤام                       وعـفت منازلها بجـو برام

    والخيل عاكـفة عليه كأنـها                    سحق النخيل نأت عن الجرام

 

ولا بد هنا من ملاحظة الربط بين الخيل والنخل فهما عماد حياة العربي، و إذا علمنا أن هذه القصيدة قيلت في معرض الفخر أدركنا مكانة النخل لدى عرب الجاهلية، ويقول زهير بن أبي سلمى في الحكمة (27):


وهل يُنبت الخطّيَّ إلا وشيجه                                  وتُغرس إلا في منابتها النخل

 يريد أن الأمور لا تجري دون نظام، وأن الحكمة تقتضي أن يوضع كل شيء في نصابه، وأن تعطى القوس باريها، ويقول امرؤ القيس في معلقته الشهيرة، يصف شعر امرأة ويشبهه في تداخله وتدليه على متنيها(28 ) :

وفرع يغشي المتن أسـود فاحم             أثـيث كقـنو النخلة المتعثكل

غدائره مستشزرات إلى العلى            تـضل المدارى في مثنى ومرسل

 

 

     ولم يقتصر الاهتمام بالنخيل على العصر الجاهلي، ففي صدر الإسلام نجد ذلك الشاعر المخضرم ؛ حسان ابن ثابت،يخاطب ابنه؛ عبيدا، وقد أدركه الكبر فيقول (29):

 

أبلغ عبيدا أني قد تركت له                     من خيـر مـا ترك الآباء للولد

الدار واسعة والنخل شارعة                    والبيض يرقلن في  القسي كالبرد

فهو هنا موشك على الرحيل الأبدي، فهو يطمئن ولده، ويقول له : لقد تركت لك شيئا جليلا هو أفضل ما ورّثه والد لولده، وهو النخيل والدار وآلة الحرب؛ وهي أساسيات ضرورية لاستمرار حياته، فيا لها من مكانة عظيمة لشجرة مباركة!.

 

وإذا تقدمنا في الزمان إلى العصر العباسي لما وجدنا الصورة مختلفة عما كان عليه الأمر من قبل، فهذا هو السري الرّفّاء المتوفى سنة 366 هـ يقول (30) .

 

فالـنخـل من باسـق فـيـه وباسـقة           يضاحك الـطـلـع في قـنـوانه الرّطبا

  أضـحت شماريـخه في النحر مـطـلعة             إمـا ثريـا وإمـا مـعـصما خـضـبا        

غير أن الصورة هنا لم تعد كما كانت في الجاهلية وما بعدها حتى العصر الأموي، إذ نلاحظ كثرة الألوان فيها، وتداخل المكوّنات على نحو ينسجم مع ما اكتسبته الحياة في العصر العباسي من مظاهر الزينة والتنعم جراء التفاعل الحضاري الذي شهده العالم الإسلامي آنئذ، نتيجة للتلاقح العميق بين الثقافة العربية والثقافات الأخرى، إضافة إلى ما أضفاه الإسلام على العربي من تمدّن طال أحاسيسه وانفعالاته وسلوكه، وتغلغل حتى استقر في أعماقه، وجرى على لسانه شعرا عذبا، وصورا رائعة.

 

   وهذه  أبيات شاعر " كان بعيدا عن نخل المشرق، غريبا عن دياره ومراعي صباه، وفي الأبيات حديث حنون وحنين ومناجاة  يبثها إلى نخلة مفردة، وجدها في منية الرصافة في قرطبة، هذا الشاعر هو عبد الرحمن بن معاوية الداخل حيث قال : (31)

 

يا نخل أنت غريبة مثـلي                     في الغرب نائـية عن الأصل                                        فابكي وهل تبكي مكيّسة                     عجماء لم تـطبع على خبلي

لو أنـها تبكي إذن لبكت                    مـاء الفرات ومنبت النخل

لكـنها ذهلت وأذهـلني                   بغـضي بني العباس عن أهلي

 

     وفي العصر العباسي، أيضا، نلمح النـزعة الذاتية من خلال وصف مظاهر الطبيعة؛ فهم يشخصونها ويشركونها مشاعرهم مشاركة وجدانية عميقة، وقد احتلت النخلة مكانتها من هذا التشخيص، وهذا  ضرب من الأنسنة، يقول مطيع بن إياس مخاطبا نخلتي حلوان، ويندمج معهما بمشاعره وأحاسيسه فيهتف :

 

أسـعداني يا نـخلتي حلوان                       وابكيا لي من ريب هذا الزمان         

واعلـما أن ريبه لم يزل يفـــــــــــرق بـين الآلاف والجـيران

ولعمري لـو ذقـتما ألـم الفر            م           قـة أبكـاكما الذي أبكاني

أسعـداني وأيـقنا أن نحـسا                         سـوف يلـقاكما فتفـترقان

كم رمتني صروف هذي الليالي                        بفراق الأحباب والخـلان(32)

 

          ونبقى في العصر ذاته؛ حين شاع ميل الشعراء إلى الوصف الشامل لجزئية من جزئيات الطبيعة، ونقف مع أبي نواس في وصفه للنخلة، ودافعه إلى ذلك الخمرة التي يهواها، ولا يقوى على فراقها، وهي من إنتاج النخل، فهو يصفها وصفا مفصلا منذ غرس النخلة إلى حين إثمارها فيقول(33) :

 

لنا الخمر ولـيس بخمر نـخل                      ولكن من نـتاج الباسقات

كرائم في السماء زهين طـولا                       ففـات ثمارها أيدي الجناة

قلائص في الرؤوس لهـا ضروع                     تدر عـلى أكـف الحالبات

 

ويواكب أبو نواس النخلة في جميع مراحل نموها دقة وتفصيلا مستعينا بخيال شاعر مجنح، وأحاسيس مرهف مدنف؛ فيقول :

بدا الياقوت وانتسبت إليه                         بحمر أو بصفر فاقعات

فلـما عاد آخـرها خبيصا                          بعثت جناتها بمعـقبات

بعثت جـناتها فـاستنزلوها                        برفق من رؤوس سامقات

 

وما دمنا في العصر العباسي فلا بد أن نعرج على ذكر شاعر طبقت شهرته الآفاق؛ حتى صار هو الطائر المحكي والآخر الصدى، كما يقول، وحتى ترك السرى خلفه لمن قل ماله، كما يقول هو أيضا، إنه أبو الطيب، أحمد بن الحسين الذي ذكر النخلة في أبيات كانت سببا في إلحاق هذا اللقب به " المتنبي "  وذلك حيث يقول(34) :

 

 

ما مقامي بأرض نخلة إلا              كمقام المسيح بين اليهود

أنا في أمـة تداركها الله               غريب كـصالح في ثمود

 

         حيث رمز للعراق ( بأرض نخلة )" والعراق مهد النخل وهبته، وعشقه العراقيون خلال تاريخهم الطويل، وأحاطوه بحظوة في الحضارات الفراتية والسومرية والأكدية والبابلية، وعرف العراقيون النخلة قبل الطوفان، وقد ثبت أن منطقة ( أريدو ) جنوب ( أور ) كانت زاخرة بالنخيل، وهي من مدن ما قبل الطوفان منذ الألف الرابع قبل الميلاد، وجسدت تبجيل النخيل شريعة حمو رابي؛ حينما سنّت عددا من القوانين التي شجعت زراعتها، وعاقبت من قطفها، وأطلق عليها ( شجرة الحياة ) ومن ضمن أربعة أشياء قدسها الآشوريون ضمن منظوماتهم التربيعية كانت النخلة "(35) ومن منا لا يعرف سواد العراق وما تردد من ذكره في بطون التراث؟.

 ويقول أبو بكر أحمد بن محمد الصنوبري(36) :

وإن يكن في الخريف النخل مخترقا              فالأرض عريانة والجو مقرور

حيث يعتبر النخل من محاسن فصل الخريف ويهوِّن من مساوئه، وجدير بالذكر أن عرب جنوب الحجاز ما زالوا إلى يومنا هذا يستخدمون كلمة الخريف اسما لموسم النخل، والاختراف عندهم قطفه، والمخرف الوعاء الذي يجنونه فيه، كما يسمون الرطب الخرفة؛ وما نرى التخريف إلا منه لعلاقة بانقطاع الوعي والإدراك.

 

 

ونمضي قدما على سلم الزمن لنرى أن النخلة ما تزال تحتفظ بقيمتها الغذائية، وبمكانتها في الحياة على النحو المعهود، ولعل هذه الحقيقة مما يلمسه الباحث في أدب الرعيل الأول من هذا العصر، كشوقي وحافظ ومن قبلهما البارودي، لأنهم حافظوا على الأنماط التعبيرية القديمة إلى حد بعيد، يقول أمير الشعراء أحمد شوقي(37):


أرى شجراً في السماء احتجبْ                            وشق العـنان بمرأى عجبْ
 مـآذن قامت هـنا أوهنـاك                              ظواهرها درج من شذبْ
 أهذا هو النخل ملـك الرياض                             أمير الحقول وعرس العرب

 
طعام الفقير وحلـوى الغـني                             وزاد المـسافر والمـغترب


          ولعل في هذه الأبيات ما يمثّل خلاصة مكانة  النخلة في الحضارة العربية الإسلامية، ففيه وصفها، وأهم أوجه استخدامها، وموقعه من سائر الشجر؛ إذ هو ملك الرياض، ونعتقد أن هذه الحظوة للنخلة كانت تواكب مكانة الجمل والناقة، لارتباطهما معا بأهم ما امتزت به الحياة البشرية قديما لا سيما في ما يتعلق بطول الرحلة ومشقة السفر وزاده، لا سيما أن التمر بعامة، وبعض أنواعه بخاصة، كالقسب؛ لا يتطرق إليها العطب، وتستقيم على الأيام.

 

          غير أن حركة النخلة في أشعار ما بعد منتصف القرن العشرين تخطت حدود صورتها التي ألفها الناس وتغنّى بها الشعراء من قبل، فقد خرجت من عالم المادية المقصود بلفظه إلى عالم الرمزية الموغل في إيحاءاته، ولم تعد تذكر طعاما لمسافر، إذ أصبح الطعام في هذا العصر متاحا، ولم يعد السفر بعيد الشقة، ولكنها تحولت إلى طوطم حضاري ذي دلالة مكثفة، ولفظا يختصر سجل  الزمن ومدونات التاريخ.

 

          و لبيان حقيقة ما تقدم نبقى في" أرض نخلة " على رأي المتنبي ؛ في العراق ، ولكن مع فارق الزمن، لنجد شاعرا معاصرا هو مظفر النواب، يكرر ذكر النخلة في شعره بشكل لافت جدا، ولكنه طبيعي جدا أيضا " فهو هنا كما في قصائده، يعبر عن انتمائه للعراق، ولكن انتماءه لا يجعل منه عراقيا متعصبا للعراق،    فالعراق جزء من الوطن العربي، وهو على الرغم من تشرده إلا أنه وفيّ لا يشعر بالخجل من بني قومه؛ يقول في قصيدته  (38):

 

ورغم تشردي لا يعتريني بنخلة خجل

بلادي ما بها وسط وأهـلي ما بهم بخل

 

     وليست النخلة مقتصرة على أرض العراق، وإن وجدت هناك بكثرة، فقد غدت في الشعر  العربي _ قديمه وحديثه _  رمزا للأمة العربية، وهذا ما بدا في قصائد أخرى للشاعر، منها وتريات ليلية، حيث جعل النخلة أرضا لا شجرة تنبت في الأرض، يقول مظفر:

" النخلة أرض عربية "

 وإن كان تحدث عن نخل العراق، فطالما هاجم دعاة " القطرية " وفي ذلك يقول:

" قالوا بالوحدة وأضافوا القطرية ذيلا قبليا " (39)

 وهكذا فقد غدت النخلة رمزا يوحد العرب قديما وحديثا، ولئن كان مظفر قد تحدث عن العراق ونخيله الذي بات رمزا له، فإنه يتحدث أيضا عن جمل مكة، كأنه يريد أن يقول: هذه وتلك اقترنتا على مر الزمن بما أسهم في تيسير الحياة، وتذليل عقبات العيش فيها، يقول مظفر:

أراهنتم على جمل بمكة

تسلمون ويسلم الجمل

ولم يتوقف عند مكة والعراق، وأبى إلا أن يصرح بقوميته، فذكر حيفا والقدس، وما أكثر ما خص القدس في أشعاره، فقال:

يمينا أنه درب إلى حيفا

غدا يصل..........

أرضعت حب القدس(40)

 

وتظل النخلة تلح على خاطره، وتأبى أن تزايله، فكيف وقد سرى أثرها في الزمان حتى أرسى   جذورها في أعماقه: طعما لذيذا، وظلا ظليلا، وصورة فارعة؟ يقول في قصيدة أخرى بعنوان " بكائية على صدر الوطن " 41

 

وصلت إلى باب النخل، دخلت على النخل

أعطتني إحدى النخلات نسيجا عربيا

فعرفت بأن النخلة عرفتني

وعرفت بأن النخلة في عربستان انتظرتني

والنخلة إلى جانب ذلك مبعث عز، ومهوى فؤاد، تزيل الهم عند احتضاره كناقة طرفة ابن  العبد البكري، وكالبرق عند ذلك الأعرابي الذي أخرجوه بالشام لساحة الإعدام، فلما رأى البرق نجديا تهلل وجهه وأشرق، فقال له الجلاد : ويحك! تضحك وأنت مقبل على المقصلة؟ والله إلا أخبرتنا بما شغلك عن ما أنت مقبل عليه، فأنشد:42

ألا أيها البرق الذي بات يرتقي     ويجلو ذرى الظلماء ذكّرتني نجدا

ألم تر أن اللـيل يقصر طولـه      بنـجد وتزداد النطاف به بردا؟

 

فعفوا عنه لما رأوا من صدق عاطفته وما جاش من وجده شوقا إلى وطنه. وذلك هو شأن النخلة عند مظفر، فاستمع إليه يقول بعد المقطع السابق:

غامت عيناي من الـتعذيب

رأيت النخلة ....ذات النخلة

......................

والنخلة قالت والأنهر قالت

فتحـملت وشـق الجمع

وهبت نسمات لا أعرف كيف أفيق عليها

بين الغيبوبة والصحوة

تماوج وجه فلسطيني (43)

 

و لمظفر النوّاب مع النخيل حديث يطول، ويمتد في آفاق نفسه نهرا فياضا من المشاعر لعل شاعرا من قبل لم يتوصل إلى شواطئه، يقول في قصيدة وتريات ليلية:(44)

يا طير البرق القادم من جنات النخل بأحلامي

يا حامل وحي الغسق الغامض في الشرق

على ظلمة أيامي

..............................

صعد النخل بقلبي

صعدت إحدى النخلات

بعيدا أعلى من كل النخلات

تسند قلبي فوق السعف العذق

من يصل القلب الآن

قلبي في السجن

وقلبي بين غذوق النخل

 

و هذا شاعر آخر من أرض العراق يجرى على النهج نفسه، يحب النخلة وتحبه، تماما مثلما قال اليشكري في الجاهلية ( وأحبها وتحبني  ويحب ناقتها بعيري ) يقول بدر شاكر السياب يصف عيون حبيبته ولم يجد بدا من ربط الصورة بالنخلة، وكأنها إطارها الذي لا تكتمل صورة إلا به، أو كأنها عفراء ذي الرمة لا يكتمل حجه دون أن تقف عليها مطاياه، يقول السياب:

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر(45)

        وهكذا؛ فقد كانت النخلة ملهمة الشعراء قديما في حدود ما بلغته أزمنتهم من ملكة التصوير والإبداع، أما في العصر الحديث فقد تطورت الصور، واكتسب اللفظ دلالات هامشية كثيرة يصعب حصرها، وتفنن من   عاشر النخلة في وصفها حتى أتى بعضهم _ كما لاحظنا _ بالعجب العجاب. ولا شك في أن النخلة     تستحق ذلك، بل هي أجمل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

رابعا : النخلة في النثر

                       

        حققت النخلة حضورا بارزا في النثر العربي، وإن لم نعثر على كثير من النصوص الجاهلية التي تذكر النخل، وذلك لأن النصوص النثرية الجاهلية التي وصلت إلينا قليلة نسبيا؛ إذا ما قيست بالنصوص الشعرية لندرة التدوين في العصر الجاهلي، وفي النصوص الشعرية قام الإنشاد مقام التدوين في حفظها من الضياع وساعد على ذلك الوزن والقافية التي تتميز بها، وهذه الميزة غير متوافرة للنصوص النثرية .ونجد كثيرا من الكتب التي قصرت موضوعها على النخل مثل كتاب النخل لأبي حاتم السجستاني وكتاب النخل للأصمعي.

* * *

وإذا ما تجاوزنا العصور الإسلامية الأولى إلى العصر الوسيط  وجدنا كثيرا من المؤلفين أولوا النخلة جانبا من اهتمامهم، وخصوها بعنايتهم،  وقد جاء ذلك منسجما مع ما كانت عليه ثقافة تلك العصور، على النحو الذي بيّنّاه قي الصفحات السابقة. بقول محيي الدين بن عربي  في النخلة: "أعلم أن الله تعالى لما خلق آدم عليه السلام، الذي هو أول جسم إنساني تكون، وجعله أصلاً لوجود الأجسام الإنسانية، وفضلت من خميرة طينته فضلة، خلق منها النخلة، فهي أخت لآدم عليه السلام، وهي لنا عمّة، وسماها الشرع عمة، وشبهها بالمؤمن، ولها أسرار عجيبة دون أسرار النبات". (46)

* * *

              وفي العصر الحديث لم يتراجع حضور النخلة في النثر، ولكنها ارتقت في مدارج الرمزية حتى صارت أعمق وأكثف من الاصطلاح في تركيز دلالته،ففي الخليج نجد دراسة لعلوي الهاشمي في موضوعات الشعر المعاصر في البحرين، صادرة عام 1981 بعنوان " ما قالته النخلة للبحر "، إذ يوحي هذا العنوان برمزية خاصة، وأخرى مفعمة بعبق التاريخ يجسدها استحمام النخلة الأزلي في مياه الخليج العربي، على نحو ما نجده من سالف العهد والأوان من قول امرئ القيس في الظعن الراحلة وقد لفعهم السراب بردائه(47):

فشبهتهم في الآل لما تكمّشوا           حدائق دوم أو سفينا مقيرا

أو المكرعات من نخيل ابن يامن        دوين الصفا اللائي يلين المشقرا

و من الأعمال القصية التي نجد النخلة حاضرة فيها : مجموعة الكاتب الفلسطيني زكي العيلة " العطش " الصادرة عام 1978 حيث نقرأ تحت عنوان " نافذة " : " لكن للزعتر النخل الطالع ـ مع سبق الإصرار ـ من عروق الصخر ، وصايا المواسم ، الطوابين المشحونة بزخات الميجنا و اشتعالات الروافد                 منطقه ......."(48)  فالنخل كما الزعتر رمز للتحدي والعناد، والنخل أيضا كما الطوابين رمز العروبة والأصالة والتراث .

      ويتوالى ذكر النخل في غير مكان من المجموعة ، ففي قصة نجوم تحت الشمس نقرأ ما يلي :"_ أبي ... صحيح أن بيوت المدينة عالية؟

_نعم صحيح .

_عالية كثير؟

_ أيوه ......

وعاد يسأل في تردد :

_ أعلى من نخلة أبو عادل ؟ (49).

فالنخلة هنا مضرب المثل في الطول، بل عليها تقاس الكائنات المرتفعة، ولعل نخلة أبي عادل هي أطول نخلة في المنطقة، ولذلك عبر عن ارتفاع بيوت المدينة بمقارنتها بها.

 ويمثل هذا الحشد الزاخر من الإيحاءات أو المرجعيات منطلقًا للقصة، فترتفع النخلة بسموقها القصصي، وهي بالتالي توصلنا إلى لوحة تتجلى فيها النخلة مرسومة، أو يتجلى فيها المتلقي الصابر، أو المهاجر الذي عاد للنخلة الصابرة - سيان. هي لقطة  مصورة يقف القاص فيها مسترجعًا، مستوحيًا، مستلهمًا ، وبانيًا لعالم من الواقع والخيال .

      وتتكرر هذه الصورة للنخلة بألوان مختلفة في الأعمال الأدبية للكتاب والشعراء العرب  على اختلاف أقطارهم، فالقصة الأولى من مجموعة " دومة ود حامد " الصادرة عام 1984 للكاتب السوداني الطيب صالح تحمل اسم " نخلة على الجدول " و تدور فكرة القصة حول الشيخ محجوب ونخلته ؛ فعلى الرغم من الضائقة المالية التي ألمت به إلا أنه يرفض بيع نخلته العزيزة حيث نقرأ " وفكر الرجل برهة مترددا بين القبول والرفض عشرون جنيها يستطيع أن يحل منها دينه ويشتري ضحية العيد ويكسو نفسه وأهل بيته ولكن ريحا قوية هبت تتلاعب بجريد النخلة فأخذ يوشوش ويتعارك ويتلاطم كغريق يطلب النجاة وبدت النخلة لمحجوب في وقفتها تلك رائعة أجمل من أي شيء في الوجود وهفا قلبه لابنه في مصر "(50)

      ولا تستطيع أن نغفل ذاك الربط بين النخلة والولد؛ فهي شخص من العائلة عزيز، ويصبر محجوب ويكابر، ويرفض بيعها إلى أن يأتي الفرج في اللحظة الأخيرة، ويرسل له ابنه المغترب ثلاثين جنيها وطردا      من الملابس وعندها " انحدر طرفه من عل إلى غابة النخل الكثيفة الممتدة عند أسفل البيوت وتميز في وسطها     نخلته ممشوقة متغطرسة جميلة تتلاعب بجريدها نسمات الشمال وخيل إليه أن سعف النخلة يرتجف مسبحا :" يفتح الله "(51)وهي العبارة التي رددها وكررها الشيخ محجوب حينما رفض بيع النخلة.

     والقصة الثانية من المجموعة نفسها تحمل اسم " حفنة تمر " وفي هذه القصة نجد حسا إنسانيا عاليا من الكاتب ــ الذي يتقمص شخصية الراوي ( الطفل ) ـ  تجاه النخلة ومن العبارات الدالة التي وردت في القصة على لسان مسعود " حاذر لا تقطع قلب النخلة " (52)يعقب الراوي قائلا  " ولكنني أنا أخذت أفكر في قول مسعود " قلب النخلة " وتصورت النخلة شيئا يحس، له قلب ينبض، وتذكرت قول مسعود لي مرة حين رآني أعبث بجريد نخلة صغيرة :" النخل يا بني كالآدميين يفرح ويتألم " (53)

    ونصل إلى قصة تحمل عنوان " النخلة المائلة " لمحمد علي طه حيث يخاطب النخلة فـ " يشخصنها " أو " يؤنسنها "، فهي "عِشرة الطفولة "، ولا بد أن يحكي لها عن كل ما مر به من نكبات أو وثبات. فها هي الأرض /النخلة رسخت في وجدانه، حيث لا ينسى الروائح في الطبيعة، بل يعرف أسماء التلال والدروب والشعاب والسبل. ويراوح بين الماضي الجميل والحاضر الممض، فيقول " أتذكرينني؟ أتذكرين أترابي وأخوتي ونحن ندور حولك نرقص ونغني. ونلهو نرتمي على جذعك? " (54)يسترجع أمامها غناءه لها، بل عشقه إياها، فقد ورث هذا العشق عن أبيه الذي مات ولم يفتر عن ذكرها. " كان أبي يسبح في لحظات الوجد ويقول إن الله خلق النخيل في الجنة وفي دار الإسلام. ولم يختر فاكهة سوى التمر لتتغذى بها ستنا مريم حينما وضعت سيدنا عيسى عليه السلام. كانت شاهدة الميلاد ولباه وحليبه!! والنخل ذات الأكمام. يا يوسف العلي.ليس كل ولادة ولادة .وليست كل قابلة قابلة.كانت النخلة قابلة مريم ومن رطبها تلبى وليدها! " (55)ويخيل له أن النخلة تخاطبه، وتؤكد له حفاظها على العهد، بل إنها ترد على أغنيته بأغنية، فيختلط الأمر على الراوي، ولا يكاد يصدق وخلال تفحصه للنخلة يلاحظ انحناء جذعها :

" مبروكة مائلة.

وتراجع خطوات..

يا الله..

حتى أنت يا مبروكة؟

ما الذي حنى جذعك الباسق ؟

الحنين؟

الغربة؟

الزمان؟

قولي لي يا مبروكة. قولي لي!! "(56)

      النخلة المائلة إذن هي منحنية أمام الصدمات والنكبات، وها هو يتساءل عن سر انحنائها، ويضع لذلك ثلاثة احتمالات كلها تصب في مراح واحد، وكلها تعكس مشاركتها الإنسان في عذابه ووصبه، وكذلك في أشواقه وحنينه.

        هذه القصة هي حكاية الحنين للوطن، للماضي، وللأحبة، فيها المزج الرائع بين الواقع والخيال ، وبين الصدمة والحلم، وبين الإنسان والأرض. يوسف العلي في الستين من عمره يزور أطلال بلاده، حيث مرتع الطفولة وموطن الأهل، ولا يجد من معالم بلاده سوى النخلة "مبروكة "، فهي ما زالت راسخة. يعبر الراوي عن لواعج شوقه وحرقته ومعاناته بسبب الغربة التي نشأت إثر التشريد قبل خمسة عقود.

        إن النخلة المائلة بكل ما تحمله من مصابرة ومرابطة ترتبط بصبر الراوي - أو لنقل بصبر الفلسطيني المشرد. فالصبر كان يمثُل تارة بصورة مباشرة، وطورًا بالرمز "أيوب" أو " النخلة "، كما جاءا في القصة .

   ويختار عبد الحميد أحمد عنوان " عطش النخيل " لإحدى قصصه التي يعلق عليها أسامة فوزي في  محاضرة بعنوان استدعاء الموروث الشعبي في الأعمال الأدبية الإماراتية الشعرية والنثرية ألقاها  في الشارقة عام 1983 يقول أسامة :"في  قصة ( عطش النخيل) التي تدور حول سائق أجنبي يدهس طفلة صغيرة ، تصوير آخر لجانب المعاناة ، مقرون بإلماعات ثورية لم توظف بشكل مقنع إذ لن يتعاطف القارئ مع محاولة قتل السائق على هذا النحو لكن القصة غنية بالإشارات الفولكلورية .... العقال ، الفترة ، السفر والغوص ( وما بينهما من عناء وحنين ) ثم التوظيف الحي لبيت شعري خليجي ( دور لجرحك دوا ما من دوا ببلاش) والمرأة التي (في ثياب سوداء تحاول أن تحتفظ بعباءتها فوق رأسها) . وما نرى النخيل هنا إلا المواطن العربي المسحوق، وعطشها يرمز إلى تطلّعه للثورة على هذا الواقع الذي أزرى به، وجعله مخلّفا على قارعة الطريق(57)

          باختصار؛ يمكن أن نحكم بأن موقع النخلة في النثر العربي يوازي ما حظيت به في الشعر قديما وحديثا، بل لعل الكتاب كانوا أقدر من الشعراء على توظيفها في نسيج أعمالهم الأدبية، لا سيما في القصة والرواية، لما تعالجانه من أوضاع اجتماعية أكثر تعقيدا مما يطيقه الشعر.

          وهكذا نجد النخلة تواكب المسيرة البشرية ابتداء من عهدها الأول إلى يومنا الحاضر، خطوة خطوة، فكأنها من الإنسان ظله، كيف لا وقد صح أن تسمّى عمته؟ فكانت طعامه ومرضعته، وطبيبه الذي يعالجه. جلس تحتها يتفيّأ بظلها، واتخذ منها كثيرا من أدواته ومتاعه، ولم يترك منها شيئا إلا استخدمه، حتى نواها؛ نقعه في الماء ثم أكله، أو رضّه بمرضاح ،كما قال أوس بن حجر، فعلفه ماشيته.

          غير أننا نرى أن النخلة، كالجمل، أسهما في نسج قصة الحضارة، ولعبا في أحداثها دورا خطيرا، إلا أنهما لم يعودا يحتلان المكانة المرموقة التي كانت لهما من قبل، وقد نضيف إليهما شجرة الزيتون، فذلك هو الجمل يلوذ بالبيداء وقد راحت تلاحقه السيارة، وتلك شجرة الزيتون تنافس زيتها المستخرجات النباتية الأخرى، وما نرى في تردّي لأحوالها إلا انعكاسا لحال العربي نفسه، إذ تردّى بعد عز،وذلك نجمه يوشك أن يأفل، ما لم تتمرد النخلة , والزيتونة ، وما لم  يهج الجمل.

 

 

         

المراجع والهوامش:

1.    http:// hara.naseej.com/Details.asp?insectionID

2.    http://annales.univ_mosta/texteap01/121olaci.htm

3.    سورة البقرة ، آية266

4.  شرح ديوان زهير بن أبي سلمى، لأبي العباس أحمد بن يحيى بن زيد الشيباني؛ الملقب بثعلب ، ص: 37، الدار القومية للطباعة والنشر ـ القاهرة.

5.    سورة المؤمنون ، آية 19

6.    سورة الأنعام ، آية 99 ، وانظر لمثله الآية 141 أيضا.

7.     سورة عبس , آية29

8.    سورة الرحمن ، آية 11 ، وانظر لمثله: الرعد 4 والشعراء 148

9.    سورة الكهف ، آية 32  ،وانظر سورة يس الآية 34

10.           سورة النحل ، الآية 11 والآية 67.

11.           سورة مريم ، الآية 23

12.           سورة مريم , آية  25.

13.           سورة طه ، آية 71

14.          سورة الحاقة ، آية  7

15.          سورة القمر ، آية 20

16.           صحيح البخاري ،دار الفكر ، ج1 ، ص47ـ48

17.           المعجم المفهرس لألفاظ الحديث الشريف (نخل، أترج).

18.           السجستاني؛ أبو حاتم، النخل، ط دار اللواء الرياض، 1985 ، ص45.

19.           صحيح البخاري ، دار الفكر، ج3 ، ص47

20.           السابق ، ج3 ، ص39

21.           نظرية محل العقد في الفقه الإسلامي ، ( رسالة ماجستير منشورة ) ،  جمال أحمد زيد الكيلاني،

  ط 1، المكتبة الجامعية ـ جامعة النجاح الوطنية ـ نابلس ، ص 461

22.           صحيح البخاري، دار الفكر، ج4 ، ص304

23.           المصدر السابق، ج2 ، ص 138

24.           المصدر السابق ، ج2، ص1

25.           http://annales.univ-mosta.dz/texte/ap01/12loulaci.htm

26.     شرح ديوان عبيد بن الأبرص ، دار صادر للطباعة والنشر، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت 1384هـ ، 1964م ، ص129ـ 131

27.           http://www.wasatyah.com/vb/showthread.php?p=93541&mode=linear

28.           ديوان امرئ القيس ط21969 ، منشورات دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ، ص34

29.           شرح ديوان حسان بن ثابت الأنصاري ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ـ لبنان ، ص68

30.           http://www.almarefah.com/article.php?id=511

31.           نصوص شعرية (2) منشورات جامعة القدس المفتوحة، ط1،1993، ص 140

32.           المرجع السابق، ص139

33.           ديوان أبي نواس ، دار صادر ـ بيروت ، ص 118

34.           البرقوقي، عبد الرحمن ، شرح ديوان المتنبي، المجلد الأول، دار الكتاب العربي، بيروت ـ لبنان ،ص44ـ48

35.           www.almadapaper.com/sub/12_279/p13_htm

36.           نصوص شعرية (2) ، مرجع سابق ، ص 153

37.           http://alsahker.com/article.php?sid=219

38.           الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر العربي المناضل ـ مظفر النواب ـ دار قنبر ـ لندن ، ص86

39.           www.anajah.edu.arabic/articles/main.htm

40.           الأعمال الكاملة ـ مظفر النواب ، مرجع سابق ، ص 92

41.           http://www.angelfire.com/mn/modaffar/8.html

42.           ديوان امرئ القيس ، مرجع سابق ، ص 47

43.           www.angelfire.com/mn/modaffar/8htm

44.           الأعمال الكاملة ـ مظفر النواب ، مرجع سابق ، ص 75

45.           http://www.angelfire.com/nt/Gilgamesh/rainA.html

46.           http://diwanalarab.com/article.php3?id_article=2180

47.           ديوان امرئ القيس ، مرجع سابق ، ص62

48.           العطش ، زكي العيلة ، مطبعة الشرق التعاونية، ص 23.

49.           دومة ود حامد ،الطيب صالح ، دار العودة ، بيروت ،ص18

50.           السابق، ص18

51.           السابق ، ص22

52.           السابق ، ص 24

53.           السابق ، ص 50

54.           www.almadapaper.com/sub/12_279/p13_htm

55.           www.almadapaper.com/sub/12_279/p13_htmالسابق

56.           www.almadapaper.com/sub/12_279/p13_htmالسابق

57.           www.masraheon.comphpbb4vewtopicphp?=1278