أركان الحضارة البشرية: الحرف واللون والعدد والدرجة

yahyaj's picture
Year: 
2009

أركان الحضارة البشرية

الحرف واللون والعدد والدرجة

 

تتعدد  وسائل التعبير والرمز، وتتنوع ضمن إطار محدود بالقرائن التي تقف دليلاً على أمور معينة تقع وراءها، فنلجأ إليها لإدراكها.  وتلك الأمور هي المعاني وكل ما يمكن إدراكه برمز.  وأول تلكم الوسائل هي العلامات الطبيعية وإدراكها يتم بحاسة البصر،  وإدارك ما وراءها يتم بالتفكر والتدبر وتحليل الماثل: ترى الضحى، فيقوم دليلاً على أن الشمس مشرقة،  وترى الشمس تشرق وتغرب ثم تشرق، فتدرك أنها تدور في حركة " ظاهرية " حول الأرض. وتستمر في استحضار المدركات حتى تصل إلى وجود الخالق سواء صعدت في التركيب على نحو جدلي " ديالكتيكي " أو حدرت محللاً  ومعللاً.

 

          ومن تلك الوسائل الألوان،  كأن يستعان بالحمرة للدلالة على الخطر، أو الخضرة للدلالة على الأمان والسلامة، وغير ذلك مما لا يخفى عليك مما يستخدم في إشارات المرور وأعلام الدول وأسلاك الكهرباء والمؤشرات في السيارات والأجهزة ونحوها.  أما ترى ما للون من قيمة تعبيرية في قول عمرو بن كلثوم التغلبي:

                                                                                وافر

أبا هند فلا تعجل علينا              وأمهلنا نخبرك اليقينا

بأنّا نورد الرايات بيضاً              ونصدرهن حمراً قد روينا

وما للون الأسود من مدلول في حالات الحداد،  وعند الشيعة المسودة؟ وما للون الأبيض في ثوب العروس وللون الأخضر في الأعلام العربية وغيرها.

 

          ومن وسائل التعبير الإشارة، باليد كانت أم بالعين أو بالرأس وغيرها، ويعكس الفروق بينها ما يشير إليه تعقب معاني المفردات العربية: أشار وأومأ، والإنجليزية indicate, nod  وأنت ترى ابتسامة على وجه أحدهم فتدرك أن المبتسم فرح راض،  تراه مقطباً " عاقد الحاجبين " فتدرك أنه في حال سوء وكرب.

 

اللغة والكتابة

 

واللغة أخطر وسائل التعبير وأكثرها تلبية لجلاء مكنون النفس.  وكل لغة إنما تدرك معانيها بالسماع ابتداءً على الأقل،  أي بحاسة السمع،  أما بعد ذلك فقد يكتفي بالقراءة الصامتة وتتم الفائدة،  وما الكتابة "اللغة المكتوبة" إلا وسيلة إشارية راقية اهتدى إليها الإنسان في مرحلة حضارية متأخرة، إذ ما الحروف المكتوبة والعلامات  والإشارات إلا ألوان متداخلة على نحو معين،  طبيعياً كان ذلك التداخل أم تواضعاً أجمعت عليه طائفة من الناس.  وكل ما تقع عليه العين فهو لون،  وإنما تدرك الكتل بألوانها،  وكذلك أشكالها،  حيث يقوم توزيع اللون علامة عليها.  واذكرك، هاهنا بنظرية ( الجشتلت ) وأنها تعتمد على أساس من تداخل الألوان واتجاهاتها التي تشكل الكليات.

وقد يقال إن اللغة المكتوبة لا تتأثر بالألوان،  ولا علاقة لها بها ،  فقد نكتب بالمداد الأحمر أو الأخضر أو الأسود فتكون النتيجة واحدة ..... فأقول: نعم ، هذا صحيح إلا في حالة واحدة ،  ذلك أننا نكتب عادة بمداد يختلف لونه عن لون الورق المكتوب عليه.  أرأيت عمرك، من يكتب بالمداد الأسود على ورق أسود؟ أما تستهجن ذلك لو حدث؟  وبالرغم من اختلاف درجة السواد بين المداد والورق ..  وأسألك: كيف نتحقق من النجوم، ولماذا لا نتحقق منها نهاراً ؟

إن اللغة المكتوبة إشارات  واضحة على مادة ما،  ترى ، ثم تترجم استناداً لمعلومات مختزنة في ذاكرة وعتها بالسماع ابتداء.

 

الأعداد

 

          ويناظر اللغة في خطورتها وسيلة أخرى هي الأعداد ،  وهي من اللغة كالحروف التي لا معنى لها إلا مع غيرها.  قابل بين " ستة " " 6" و " إلى " أو " عن" مجردات ، مفردات ، وهي إلى جانب ذلك كالمعاني المفردة ، حيث هي ضالة من طلبها وهي مطروحة هنا وهناك كالسمك في البحر . ولكن وجودها حقيقة إنما يكون في نظام معنوي يحمله نظام إشاري ( صوتي أو لوني ... ) . وبعبارة أخرى ، فإنها لا بد من أن تعلق بسواها صراحة أو ضمنا . وأقل المتعلق به واحد . كأن تعلق الجمال بمحمد في قولك " محمد جميل " وبهذا فإن المركب الإضافي " بيت علي ، عبدالله " ذو معنى أكمل من معنى المفرد من وجهة نظر منطقية ، فالإضافة. كالنعت، تفيد التخصيص .

         

          غير أننا فصلنا الأرقام لأنها تمتاز عن جوانب اللغة الأخرى في دقتها في التعبير ، ويتضح لك ذلك في الرسوم البيانية والجداول الفلكية والرياضية ونحوها.  ومراد ذلك إلى أنها تعكس علاقات منطقية محددة مجردة بين الأشياء . ونتبين فضل الأرقام في الاختزال والإختصار ، فلولاها لكان عليك أن تكتب أو تقول بدلا من العبارة " سبعين رجلا " : رجل و رجل و رجل و رجل وهكذا إلى أن تبلغ العدة سبعين .

         

          ومقابلة أخرى بين الأرقام وأقرب الآحاد اللغوية منها ، وهي أسماء الأعلام، توضح لطف الفارق وخطورته ، فالعدد ستة قد تعد به رجالا أو نساء أو حجارة أو ..... إلخ فتكون دلالته واحدة في جميع الأحوال.... إن الأرقام قليلا ما تكون لها دلالات هامشية . أما الأسماء فقد . واسم العلم " طاهر " قد تسمى به "س" أو "ص" من الناس ، وكلُّ مختلف عن الآخر اختلافا حتميا . وقد تقول : إن الرجال أو النساء أو الحجارة المعدودين بالستة يختلفون في ما بينهم ، فأقول إن الاختلاف جاء في الركن الآخر في المسمى الذي هو المدلول .

 

ببين العدد والحرف

 

          وينصب هذا البحث على الأعداد ، والحروف من حيث هي ( وحدات صوتية أو مكتوبة) ، و الألوان من حيث هي أخطر وسائل التعبير على الإطلاق . ولا عجب إن وجدنا شعوبا قد ربطت بينها منذ القدم ، ومن تلك الشعوب اليونان والبابليون ، والعرب الى حد ما . وحساب الجمل خير دليل على ذلك حيث ترتب الحروف

 

 

 

 

وقيمها العديدية على النحو التالي:

أ     ب     ج     د     هـ     و     ز     ح     ط     ي     ك     ل     م     ن 

1     2     3     4     5      6     7     8     9     10   20             30   40   50

س     ع     ف     ص     ق     ر        ش     ت     ث      خ        ذ       ض        ظ       غ     

60   70    80    90   100  200   300  400    500  600    700    800     900   1000

 

ويستخدم المنجمون والمشعوذون هذا الحساب لمعرفة أبراج الناس وطوالعهم.  جاء في كتاب الفوائد لأحمد بن ماجد ( ص 49 ) قوله : " والسنبلة والميزان على ساعتين ونصف : في النصف له اللام بثلاثين درجة ، والباء باثنين لساعتين ، وأما أوائل الكلام فالعدد من الحمل مثاله هويل ، الهاء بخمسة والواو بستة فيكون الهاء والواو للسنبلة والميزان " .

 

          ومن مناهج المشعوذين في معرفة البرج والطالع أنهم يجمعون القيمة العددية لاسم الرجل أو المرأة ، واسم الأم ، ثم يقسمون النتائج اثني عشر قسما هي عدة الشهور والأبراج ، فيكون برج المرء هو المقابل لعدد الذي لا يقبل القسمة على " 12 " بعد إجرائها .

 

          ومن الربط بين الحروف والأرقام أن الشركات التي تصنع مواد الألوان أخذت بطريقة علمية حديثة للتفريق بين الألوان في درجاتها ، حيث تنيب مقام اسم اللون و درجته رقما في سلسلة طويلة ، وقد تقوم الأرقام مقام الحروف ، والعكس . فقد تعد : 1 ، 2 ، 3 ، 4 ، أو أ ، ب ، ت ... إلى آخره ، عليها بينما قام علم جليل هو علم الجبر، وربما كان الوئام بين الحروف والأرقام قديما سببا في تقدم البشرية على نحو سوى . ويرشح ذلك ما أدى إليه الصراع الدائم بينهما ، حديثا مما أدى إلى تعثر للبشرية ( تقدم غير سوي ) . ويتمثل ذلك في الصراع بين جانب الروح والقيم من ناحية والجانب المادي من ناحية أخرى ... بين الفرعين العلمي والأدبي ... بين الشمال الذي يتحدث بالمنطق الرياضي القائم على حضارة العدد ، والجنوب الذي يتحدث بلغة العواطف والنفس القائمة على حضارة الحرف ( المسموح ) .

 

          وهذي مقابلة أخرى : العبارة الحسابية ( 200+200=400 ) صحيحة إطلاقا ، ولا جواب غير هذا . وعند الاستسلام أو الإقرار بشيء ما يقال : نصف الألف خمسمائة ( 2/1X 1000 = 500 ) ، وهذي علاقة منطقية لكن ( محمد + ابراهيم ) = ؟ متحابين ؟ متباغضين أم ماذا .... والعبارة : ابراهيم + يكتب =؟ يكتب واقفا ؟ أم قاعدا ، بمداد أحمر أم أصفر ؟ حيث تلاحظ حتمية النتيجة في العبارات الحسابية ولا تلاحظ ذلك في سواها .

 

          وسنعرض في هذا البحث لثلاثة أوضاع يمر بها كل من الحرف والعدد وهي التجزئة و الكمال الانفرادي و التركيب بنوعيه : المحدود و غير محدود .

 

          1،2: التجزئة والكمال الانفرادي:  نعني بالكمال الانفرادي التمام، وهو الأصل في الأشياء، أن تكون تامة على النحو الذي جرت العادة أن تعرف به: فلا نقول "  واحد " ونحن نقصد تسعة أعشار أو واحداً وعشراً.  قد نفعل شيئاً من هذا لكن للتقريب والجبر .  ولا نقول " محمد " ونعني بعضه دون بعضه.  ولا نقول " ص" ونحن نعني طائفة من الوحدة الصوتية المرموز بها لها.

          غير أن الأعداد، والوحدات الصوتية قد تجزأ  تماماً  كما يحدث في الاسم عند إيقاع بدل الجزء من الكل أو الاشتمال،  كأن تقول: أعجبني التفاح رائحته إذ ما التفاح إلا عدد كبير من الأمور مجتمعة من لون ورائحة وطعم ومادة وهيئة وموسم ........ الخ.  فالواحد نقسمه أعشاراً وأخماساً  وأسداساً أو أكثر من ذلك أو أقل، تماماً  كما قسموا حدود الزمان وأبعاده،  فالسنة واحدة لكنهم قسموها اثنا عشر شهراً،  وقسموا الشهر ثلاثين يوماً،  واليوم أربعاً وعشرين ساعة،  والساعة ستين دقيقة،  والدقيقة ستين ثانية وهكذا.  وإذا كانت الأعداد مما يقبل القسمة إلى أجزاء متساوية محددة،  فإن الأصوات تقبل ذلك لكن على نحو مختلف يجعل استيضاح حدود الأجزاء أمراً عسيراً.

          فالوحدة الصوتية ( ص ) يمكن أن تقسم إلى س ، ط.  والوحدة "  ذ "  إلى ز، ث، وأظهر ما تتضح التجزئة في وحدات  مثل: ر ، ش ، ج. ومرد العسر في استيضاح التجزئة الصوتية إلى أن الأصوات ليست قائمة على علاقات منطقية،  لاختلاف الحبال الصوتية من امرىء لآخر،  ومن وقت لآخر.  ولأن جهاز النطق يداخل بين الوحدات الصوتية في كثير من الصفات كالجهر والهمس والشدّة والرخاوة والإدغام والغنة والانفجارية واللين والاستعلاء والأطباق ونحوها.

          ويبدو الكمال الانفرادي في الحروف والأعداد واضحاً.  فالواحد واحد والاثنان اثنان،  والألف ألف والباء باء .... إلا أن التجزئة في الأعداد أوضح منها في الأصوات ( الحروف ) ،  وكل علاقة بين الأرقام هي أوضح  وأدق مما يقع بين الحروف،  ولذلك فإنك  تستطيع أن تحسب بدقة تامة مجموع ما أفدت أو أنفقت من نقود في عام،  ولكنك لا تستطيع أن تحصي المعاني والانطباعات والمشاعر التي خالجتك عن طريق الأصوات ( الحروف ) التي سمعت أو  أسمعت؟ ذلك أن الأرقام إنما تستخدم في عد ما يوجد آحاداً  متجانسة محددة في الطبيعة.  أما الحروف، فللمعاني والانطباعات ،  وهي مما يختلف ويشكل قياسه من إنسان لآخر ومن ظرف لآخر،  أما ترى أن المعارف النفسية والفنية والأدبية والاجتماعية ونحوها لا يطلق عليها اسم " العلم " إلا تجاوزاً،  ذلك لأنها لا تخضع لعلاقات منطقية محددة.

 

التركيب

 

وهو ضربان: محدود مألوف،  كأن تركب من الأعداد 3 ، 7 ، 8 الرقم 387 أو أكثر من ذلك إلى ما يحسب ملايين،  وكأن تركب من الحروف ( ذ ،ب،هـ) الكلمة ( ذهب ) أو أطول من ذلك إلى عشرة أحرف. وكل زيادة عددية أو حرفية فهي إلى زيادة أو تغيير في مقدار حصيلة الرقم ومعنى المفردة .  فالعدد " 1 " تضيف إليه " 1 " فيكون الناتج "2" أو "11"،  والحرف "م" تضيف إليه "م" فيكون الناتج "مّ" أو "مم"،  والرقم "15" تضيف إليه "1" فيكون الناتج "16" أو "151" أو "115" ،  والمفردة "كتب" تضيف إليها "ت" فتصبح تكتب هي أو أنت،  وكتب محمد درساً وكتبت هي درساً،  أو يكون غير محدود  وقلما يستخدم فيه العدد كأن يكون رقماً من أعداد كثيرة لم تعتد الناس قراءته أو سماعه،  مثل 6754893671354672893 الخ....  والغالب أن يستخدم في مثل هذا المقام عبارات مثل: إلى ما لا نهاية أو عدد الرمل، أو ما ذر شارق أو ما طلعت الشمس .. الخ".

          وقد يكون التركيب في المركبات، وذلك بالجمع والطرح والقسمة والضرب ونحوها،  وهذا يكون في الأرقام أما ما يكون في الكلام فهو الجمل والفقرات باستخدام حروف العطف والاستثناء والتوكيد ونحوها. فأن تقول: جاء الطلاب إلا واحداً يضاهي منطقياً المعادلة: الكل – واحد، ورياضياً س – 1.

 

          وأن تقول: جاء محمد وعلي وأحمد،  يضاهي رياضياً جاء 3 أو جاء 1+1+1 .  وأن تقول:  محمد مجتهد مجتهد من باب التوكيد اللفظي يضاهي قولك محمد (مجتهد) 2 وهكذا.

 

موقع الحرف والعدد

 

          وثمة،  إلى جانب الأوضاع التي سبقت، مسألة رابعة يجب بيانها،  وهي الموقع لكل من الحروف والعدد،  وقيمة ذلك في تحديد الحصيلة الرقمية والمعنى الناتج،  الأمر الذي نتبينه باستقراء مواضع الأعداد 1 ، 3 ، 4 في أرقام مختلفة، والأحرف ( ل ، ح،  م) في مفردات مختلفة،  رامزين للمقدار العددي بخط أفقي يطول ويقصر حسب القيمة، على النحو الآتي:

 

 

 

الرقم

المقدار الرمزي

الكلمة

المعاني

134

_______

حَمَلٌ

صغير الضأن

 

 

حمْل

الحبل ، رفع ثقلا

143

_______

حُلْم

ما يراه النائم، سعة الصدر

314

_______

مِلْح

( الطعام )  الحسن

341

_____________

لحم

( الضأن ) والحديد:رتقه

413

_____________

لمح

بالبصر

431

_____________

محل

جدب

          وأنت تعلم ما للخانات الرياضية من قيمة تكسبها الأرقام التي تقع فيها،

( الآحاد والعشرات والمئات ... الخ)،  ومثل ذلك الحروف.  فالتاء في البداية غيرها في الوسط والنهاية،  على النحو الآتي: في الأصل ( نصح ).

 

          في البداية:  تنصح،  أنت أو هي،  مضارعا، أو مبنياً للمجهول.

          في الوسط: انتصح هو، أو أنت أمراً.

          في النهاية: نصحت بتحريك التاء أو نصحت ( هي ) بتسكينها.

         

          هذا فيما يتعلق بالحرف يزاد.  فما بالك بالحرف يختلف موضعه؟  استقرىء موقع التاء في ما يأتي،  ملاحظاً موقع القاف: سرق: اختلس،  سقر: نار جهنم، قسر: غصب.

 

          ومقابلة أخرى: إن قيمة أي رقم يبدأ بألف ( وكذا ) تنحصر بين 1000 و 1999 وحدة من الشيء  المعدود،  وكذلك ، فإن أي جذر لغوي يبدأ بحرف ما فإن دلالته تنحصر في إطار الحيز الدلالي لذلك الحرف.

 

          أي مادة تبدأ بالحرف (غ) فإنها تتجرد لدلالة تقع على معنى الاخفاء والاختفاء،  استقرىء ذلك فيما يلي: غاب،  القمر:  اختفى ،  غار النجم : غاب ،  والماء،  إذا انسرب في باطن الأرض...  ومن ذلك أيضا:

          غيم: لأنه يخفي ما وراءه ويظلل الأرض.

          غرب: تختفي فيه الشمس، وغربت الشمس: غابت واختفت.

غرف: الماء بالاناء ونحوه: لأن جزءاً  من الإناء يختفي أثناء الغرف تحت الماء.

غرر: أخفى الحقيقة  وقد يقال: والغرة ؟ وهي البياض في جبين الفرس؟  فأقول: لأن لونه الأصلي الذي هو لون سائره قد اختفى فيها، فشذ موضعها عن سوائه.

غرز:  الإبرة ، أخفى طرفاً منها في الجسم أو نحوه.

غلق: الباب، فأخفى ما وراءه.

غفر: السحاب بعضه بعضا، غطى، وغفر الله الذنب، ستره  ومحاه.

غفا: نام، فاختفى أثر عقله.

غسل: الأوساخ عن الثوب إذا أخفاها بأن محاها.

غسا، غسم، غسف: ظلمة تخفي ما تلفه.

غرق: اختفى تحت الماء.

غيب: الله يعلم الغيب ويخفيه عن عباده.

غمر: محمد ثوبه في الماء.

غطاء: يخفى به ما تحته.

غنى: يخفي الحاجة.

غم: ( الهلال ): إذا لم يظهر وكان ظهوره متوقعا.

غبار: يخفي ما وراءه، وما يقع عليه.

 

          وإن عرض لك ما لم تنطبق عليه هذه القاعدة، فعليك بالتأويل لأن المعنى الذي غالبا ما يحرجك لا بد من أن يكون معنويا،  فالتمس حينئذ المعنى المادي،  لأن المعاني المادية سبقت غيرها من المعارف الإنسانية،  لأنها مما يدرك بالحس،  واعتماد الإنسان على حسه سبق اعتماده على عقله.

 

          ومقابلة أخرى بينهما،  تتمثل في أن حرفا لا يمكن أن يكرر في الكلمة الواحدة أكثر من ثلاث مرات متتالية مثل: شدد، إذ هي أصلا شدّد.

 

          وأن عدداً ما لا يكرر ثلاثاً،  بالجمع مثل 2+2+2=6 أو بالمجاورة الرقمية مثل 222 إلا كان الناتج مما يقبل القسمة على ثلاثة دون باق.

 

نتائج الدراسة

 

          وسنخوض الآن غمار بحر الحقائق المضطرب،  نصطاد منها ما أمكن من نفسه،  وقبل الإبحار نتوقف بك على مفترق الطرق إليه، إن شئت جازفت،  وإلا تخلفت مقتنعاً بالمثل القائل: " عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة"... ومؤكداً بذلك طبعاً ألفته الناس في هذا العصر، هو قصر الاهتمام على البسائط المأمونة،  والأخذ بأيسر السبل:

1.  المعاني والأرقام والأصوات والألوان والدرجات غير ذات قيمة إذا كانت مفردة، لا تؤدي وظيفة بعينها،  فهي كمسمار أو حجر ملقى على قارعة الطريق،  لا يصبح ذا جدوى إلا باستخدامه لغرض،  أو كدرة في قاع المحيط لم يهتد إليها غواص.

2.  الأصوات المفردة( الحروف) تساوي معاني مفردة.... والأصوات المركبة ( المفردات والجمل والعبارات) تساوي معاني مركبة.  ويمكن تركيب الحروف إلى ما لا نهاية لتعطي من المعاني ما لا نهاية  له،  وذلك في جمل لا حصر لها.  وقل مثل ذلك في الأرقام والألوان،  وما ألطف ما بين " العدد " و"العد" وهو الماء الجوفي الذي لا ينضب فكأنه لا نهاية له كالأعداد.  وتلك هي دلالة المادة ( عدد )  حيث تقع على معنى الاستمرار والاتصال.

3.  الألوان لا حصر لها ولا عدد ... وكذلك دلالاتها وآثارها في العين والنفس،  فاللون الواحد يحلل ألواناً،  أو يضاف عليه من غيره بنسب مختلفة فتتكون ألوان وألوان .... وتضيف من لون ثالث فيتكون لون جديد،  وهكذا إلى ما لا نهاية له. 

4.    والدرجة تتجزأ، وتضاف إليها درجة وأكثر إلى أن يستقيم ضلعاها وتضيف فتنعكس إلى أن تستدير

الزاوية. وتحرف السمت عن مركز الزاوية الدائرة مقداراً يعادل جزءاً من درجة،  وتتخذ من السمت

     الجديد من المركز السابق مصدراً لتدرج جديد لا يلبث حتى يستدير،  وهكذا إلى أن يبدأ هيكل كري

     في التكون ...  وما أنت بقادر على عد الزوايا والدرجات التي يمكن أن تتشعب من مركز الكرة ...

     إنها تدخل بك مرحلة اللانهاية.

 

المعاني الكروية

 

          ونستظهر مما سبق أن العدد،  والحرف ( الصوت )،  واللون ، والدرجة وهي أجل ما قامت عليه الحضارة الإنسانية – أنها كرات مادية تنطبق على معان كروية،  ولك أن تتعقب معي معنى " الفهم " على سبيل المثال لترى أنه كروي.

          ولنفهم ذلك نجسم الموضوع المراد فهمه في شجرة أو حائط،  ونتصور عقلنا شمساً ترسل شعاعها الفكري على ذلك الحائط أو الشجرة .... فإذا بظل يمتد أمامهما بسبب ضوء شمسنا.... ظل طويل لا نهاية له .... لكن ،  لقد تقدمنا في كشف الحقيقة .... ها شمسنا ترتفع فوقهما،  ها ظلهما يقصر،  إنه سبعة أقدام أو دون ذلك،  لقد كدنا ننجز المهمة ونحقق الفهم التام ... إن شمسنا متعامدة مع سمته... لقد اختفى الظل وتبدد الظلام .... إذا تم الفهم فلنصرف عنه الاهتمام ولتبتعد الشمس ... لقد بدأ الظل يمتد ... إنه يستطيل ... لم نعد ندرك آخره ... لقد طاف بالأرض واستدار .... بدأ من اللانهاية وعاد إليها في دورة كاملة.  وكذلك " الفهم " إنه يمتد ما بين الجهل المطبق والإدراك التام،  أي أنه أنواع ودرجات متفاوته متباينة يكفي لتشكيل كرة معنوية،  وذلك بالنظر للفاعل والمفعول والظروف والقرائن وغيرها،  مما يتفاوت على نحو لا يمكن أن يخضع لحصر،  كالزوايا من كرة،  والأعداد في المالانهاية،  وككلمات الكتب.

         

          وتعقب معنى " الضرب " في شدته وخفته ،  وفي أداته،  وأنه كان باليمنى أو باليسرى أو بهما معاً،  وربما كان بالرأس أو بالقدم قديما أو حديثا،  قصاصاً أو عدوانا،  إلى آخر الأمر حيث يستحيل الحصر،

وكل ذلك ضرب،  ولكنه مختلف متباين الدرجات إلى حد يكفي لتشكيل كرة معنوية أيضاً.

 

          أرأيت لو أعطيناك كرة وطلبنا منك تحديد بدايتها وكم دائرة فيها؟  هل تستطيع؟ لقد سبق أن أوضحنا في بحث سابق ( الحركة والحياة ) أن الكمال في الاستدارة والكرية،  فلا عجب في أن الله خلق الأجرام السماوية كرية،  وجعل المدارات كذلك،  حتى مدارات الذرات. ولا عجب أيضاً أن وجدنا الحضارة قائمة أصلاً على الصوت الذي هو أصل اللغة،  وعلى الرقم الذي هو أصل العلم،  وعلى الدرجة واللون في تحديدهما للأشياء ومواقعها،  إلى جانب المواد الخام التي تتشكل منها الأرض.